السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 71

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

فروع الفقه يبنى على اصولٍ له وجب الابتداء بأصوله ثمّ اتباعها بالفروع ، وكان الكلام في الفروع من دون إحكام أصله لا يثمر ، وقد كان بعض المخالفين سأل فقال : إذا كنتم لا تعملون في الشرعيات إلّا بقول المعصوم فأيّ فقرٍ بكم إلى أصول الفقه ؟ وكلامكم فيها كأنّه عبث لا فائدة فيه » « 1 » . ففي هذا النصّ يربط ابن زهرة بين الحاجة إلى علم الأصول والثغرات في عملية الاستنباط ، إذ يجعل التزام الإمامية بالعمل بقول الإمام عليه السلام فحسب سبباً لاعتراض القائل بأنّهم ما داموا كذلك لا حاجة لهم بعلم الأصول ؛ لأنّ استخراج الحكم إذا كان قائماً على أساس قول المعصوم مباشرةً فهو عمل ميسَّر لا يشتمل على الثغرات التي تتطلّب التفكير في وضع القواعد والعناصر الأصولية لملئها . ونجد في نصٍّ للمحقّق السيّد محسن الأعرجي - المتوفّى سنة ( 1227 ه ) - في كتابه الفقهي « وسائل الشيعة » وعياً كاملًا لفكرة الحاجة التأريخية لعلم الأصول ، فقد تحدّث عن اختلاف القريب من عصر النصّ عن البعيد منه في الظروف والملابسات ، وقال في جملة كلامه : « أين مَن حَظِيَ بالقرب ممّن ابتلي بالبعد حتّى يدّعى تساويهما في الغنى والفقر ؟ كلّا إنّ بينهما ما بين السماء والأرض ، فقد حدث بطول الغيبة وشدّة المحنة وعموم البليّة ما لولا اللَّه وبركة آل اللَّه لردّها جاهلية ، فسدت اللغات ، وتغيّرت الاصطلاحات ، وذهبت قرائن الأحوال ، وكثرت الأكاذيب ، وعظمت التقية ، واشتدّ التعارض بين الأدلّة ، حتّى لا تكاد تعثر على حكمٍ يسلم منه ، مع ما اشتملت عليه من دواعي الاختلاف ، وليس هنا أحد يرجع إليه بسؤال . وكفاك مائزاً بين الفريقين قرائن الأحوال ، وما يشاهد في المشافهة من الانبساط والانقباض . . . ، وهذا بخلاف من لم يصب

--> ( 1 ) الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : 461